24 يناير 2022 م

مواقع التواصل الاجتماعي …متنفس حرية أو قلة حياء؟

الرئيسيةمواقع التواصل الاجتماعي ...متنفس حرية أو قلة حياء؟

شارك

  • من وسيلة تواصل إلى وسيلة لكشف المستور واختراق الخصوصية
  • فضائح ومشاكل زوجية تناقش علنا
  • قضايا الناس أصبحت منبرا للتنمر الإلكتروني

تعد شبكات التواصل الاجتماعي الإطار الافتراضي و التفاعلي بين الأفراد، لصناعة الكيان الشخصي والاجتماعي، كونها وسيلة للنقاش والحوار، ومع تأكيدها على خاصية تقريب المسافات فقد استطاعت أن تستقطب العديد من الأفراد حول العالم، ولكن هذا لا ينفي  تعرض هؤلاء لمضامين غير قيمية و أخلاقية بسبب اندماجهم في مجموعات وصفحات  تمارس علیهم  توجيهات غير مباشرة لفظيا أو نفسيا أو إدراكيا.

 وهذا ما أدى إلى عدم فهم إطارها الحضاري والمتمثل في التقيد بالحدود الدینیة والأطر الاجتماعية والروافد الثقافية، والاهتمامات العلمية التي تساعد على تنشئة الأفراد تنشئة اجتماعية سليمة.

مجموعات نسائية وقصص مثيرة

حيث  تنتشر حاليا العديد من المجموعات النسائيّة الخاصة على موقع فيسبوك فضلا عن بعض الصفحات على موقع “أنستغرام” والتي أغلبها تندرج ضمن خانة الخصوصية، ويسعى بعض الشباب إلى اقتحام تلك الخلوات خفيةً للتلصّص، ولكن هل حقاً تنطوي تلك الخلوات على قصص مثيرة أم هي أبسط من كل تلك التعقيدات؟

من المعروف أن أغلب المجموعات تهتم بالطبخ والتدبير المنزلي والتسلية وبحث الأمور الاقتصادية والسياسية والدينية والطبية، ومنها المجموعات الاجتماعية المعنية بطرح مشاكل النساء ومحاولة تجاوزها عبر الحلول المطروحة من أعضاء المجموعة، وغيرها الكثير…

وبهذا الصدد تقول (ز.أ)  موقع “فيسبوك” يعج بالمجموعات النسائية حيث كثرت بشكل غير  طبيعي في الآونة الأخيرة ، حيث باتت منبرا للكثيرات من أجل التسلية فيسخرون  من أغلب القضايا المطروحة سواء ما تعلق بالحب والزواج و المشاكل الزوجية وحتى العائلية فضلا عن الاستهزاء بهموم ومشاعر أصحاب هذه الأخيرة، هذا غير أنَّهن لا يعرفن من يطرح الحل، وهل هو محل ثقة أو كفء، معربة عن احترامها للمجموعات المضبوطة المراقبة باستمرار، والتي لا تضيف كلَّ الفئات.

وتقول أخرى، الكثير من المجموعات والصفحات على “الفيس بوك” باتت كتابا إلكترونيا مفتوحا تلجأ النساء إليه متى أردنَ الاطلاع على ما يجري حولهن وما هو بعيد عنهن من أحداث ليقسنَ أوضاعهن معها ويكتسبنَ ملء وقتهن بما يفيدهن، ويقمنَ بحل جزء من مشاكلهن، أو يزيدنَ من ثقافتهن.

هل لازالت فعلا “البيوت أسرار”

“البيوت أسرار” جملة شهيرة جداً تردد كثيرا في المجتمع الجزائري عامة و “الجيجلي” المحافظ بطبعه خاصة، غير أنها في هذا الزمن ومع تعدد الاختراقات، لم تعد في الحقيقة تعبر عن أي شيء يمد بصلة أو نسب لهاته الأخيرة .

بالرغم من أن مواقع التواصل الاجتماعي اكتسبت شعبية هائلة بين مستخدميها، بعد أن  كانت تنحصر في تبادل الآراء مع الأصدقاء والغرباء و وسيلة للناس للعمل ونشر الإنجازات وإيصال أصواتهم للعامة، لكن اليوم كشّرت هذه الأخيرة  عن أنيابها وكشفت المستور  لتصبح من الوسائل الأكثر خطورة، وذلك لأن البعض فتح الباب على مصراعيه أمام الغرباء للاطلاع على التفاصيل الخاصة لحياة الآخرين والتي كانت في وقت مضى غير قابلة للسرد أو النشر، ولكن نتيجة انتشار الجلسات الإلكترونية، ومجموعات التواصل بالإضافة إلى قيام الصفحات المليونية بعرض قصص وحكايا مثيرة وبذلك تفشى داء وَبِيل وهوالتباهي بالأسرار العائلية، خاصة ما يدور خلف الجدران من العلاقات حميمة، وحوار بين الرجل وأهله، أو بين المرأة وزوجها.

من وسيلة تواصل إلى وسيلة لكشف المستور

صحيح أن هذه المواقع لها دور إيجابي في تسهيل عملية التواصل بين الأهل والأصدقاء والمقيمين  خارج البلد، إلا أن نسبة كبيرة من الناس أصبحت تتسابق لعرض الحياة الخاصة على هذه المنصات لتحقيق أكبر درجة من الإعجاب للمحتوى المنشور، لذلك انعدمت الخصوصية عند بعض مستخدمي هذه المواقع.

حيث يميل الكثيرون إلى نشر تفاصيل تتعلق بيومياتهم وإنجازاتهم، مثل لقاءاتهم مع الأصدقاء في مقهى أو مطعم، أين بات ينظر للموضوع بمثابة ترفيه لا أكثر في ظل الروتين المعاش يوميا و هذا ما أكدته بعض الفتيات والنساء  لـ”جيجل الجديدة”، حيث تقول الأنسة (م.ه) ” أنني قمت  بمشاركة حفل خطوبتي عبر موقع “انستغرام ” مع الأهل و الأصدقاء خصوصا و أننا نمر بأزمة صحية جراء تفشي فيروس “كورونا” حيث انعدم حضور الكثيرين أين كان متنفسا لتقاسم التبريكات والفرحة ” ، ونفس الحال مع السيدة (خ.ك) حيق أقرت أنها تنشر يومياتها بشكل مكثف ولديها متابعين كثيرين ينتظرون جديدها دوما خصوصا ما تعلق بأشهى  الأطباق التي تحضرها أو حفلات أعياد ميلاد أبنائها .

الملاحظ أن الأمر أصبح ليس مقتصرا على المشاهير والشخصيات العامة التي تنشر غسيلها في الفضاء الرقمي، بل يفعل ذلك المهووسون بمواقع التواصل الاجتماعي، فتجد بعضهم وبعضهن يصور كل خطوة في يومه، داخل البيت، في الفراش، في الصالة، قبل النوم، في الحديقة وخارج البيت في كل مكان بلا دواع ولا أسباب لذلك، فعند دخول الشخص إلى موقع “فيسبوك” أو ” أنستغرام”  تقابله منشورات  مثل طبخت اليوم على الغذاء سمكا ، ذهبت إلى عرس صديقتي،  كنت في مطعم كذا مع فلان، عيد ميلاد زوجي .. إلى غير ذلك، هذا ويتساءل العديد من “الجواجلة ” الذين يفضلون احترام الحياة الخاصة ، لم هؤلاء  يفعلون ذلك وما أهميته؟

فضائح زوجية تناقش علنا

حيث صرح السيد (ط.ك) أن لكل بيت حرمته وقداسته لكن هاته حكمة الأجداد، فالواقع غير ذلك الآن و  يبدو أن ما فعلته وسائل التواصل الاجتماعي هو قطع مع هذه الحكم، فأصبحنا نرى الفضائح والأسرار العائلية والزوجية علنا، حتى مسألة الطلاق فقد أصبحت محل نقاش وجدل واصطفاف لهذا الجانب أو ذاك سواء في المجموعات  الفايسبوكية “الجيجلية”  وغيرها من الصفحات، فهناك من المتابعين للشأن العام من  تجتذبهم  الفضائح بأنواعها ، لكن الناس  الواعية  تفضل عدم التدخل في خصوصيات الآخرين .

قضايا الناس .. أصبحت منبرا للتنمر الإلكتروني

إن نشر تفاصيل الحياة الخاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لها تبعات خطيرة، فضلا عن كونها تكشف معلومات عن الأسر من المهم حجبها، و بقدر ما قد تكون بوابة للحسد والغيرة، وهو ما يهدد العلاقات الاجتماعية والحياة الزوجية .

فمن وسيلة للتسلية والتواصل إلى وسيلة للانكشاف الأسري، حتى وصلت لدرجة أصبحت فيها البيوت عارية مكشوفة بمن فيها، وكأن ساكنيها يعيشون في مكان مفتوح على مرأى ومسمع من المتابعين، فلا يحجبها عنهم حاجب ولا خصوصية لهم،  فأخبار البيوت على مدار الساعة تُنشر وبالصور، فيعلم المتابع لمواقع التواصل كيف قضت تلك الأسرة يومها، وإلى أين ذهبت، بل وما تفضله وما تكرهه، والكثير الكثير عن أحداث البيت وتفاصيل الحياة داخله .

ومن الطبيعي أن يكون لهذا الاستخدام الخاطئ عواقب نفسية واجتماعية كثيرة، تبدأ من كشف عورات البيوت والأسر، وتعديها كالجرائم الالكترونية نتيجة التواري خلف أقنعة إلكترونية لا تُظهر الواقع، مما يوقع في الكثير من الانتهاكات والابتزاز،  وتنتهي باستخدام المعلومات المنشورة في هدم بعض الأسر، نتيجة نشر معلومات من صميم الحياة الأسرية، كما تفتح مجال المقارنة بين هذه الأسرة وغيرها من الأسر، في مقابل ذلك يتلقى الناشرون غالبا  تعليقات ساخرة ومهينة ولا تمد بصلة بالموضوع المطروح او حتى الصور المنشورة ، مما يشتبكون أحياناً بالكلمات سواء بالسب والشتم ، ويبررون ذلك مثلاً بأنهم تلقوا رسالة غير لائقة، ولهذا يعتبرون أن أبسط حقوقهم هو الرد بعنف.

صفحات تعرض الأكاذيب لاستقطاب المتابعين

هذا وتستوقف المستخدم لموقع “الفايسبوك” بعض المنشورات أو التعليقات وحتى صفحات كاملة تعرض الأكاذيب، الإشاعات وفضائح لا أساس لها من الصحة، وتستقطب هذه المدونات المتتبعين وتشد انتباههم ليضيفوا لها تعليقاتهم التي تصب في غالبيتها في نفس السياق، لتصبح ظاهرة خطيرة تهدد أخلاقيات المجتمع، في ظل اللامبالاة وعدم التصدي لهذه الظاهرة التي أصبحت تأخذ أبعادا خطيرة، تثير سخط واشمئزاز المواطنين الذين استنكروها.

خبراء يحذرون

يتحدّث الكثير من الخبراء والباحثين في علم الاجتماع عن لجوء الناس إلى منصات التواصل الاجتماعي كتعويض عاطفي، حيث يسعون إلى إبراز حياتهم بطريقة مثالية ، وقد لا يُمانعون نشر كل التفاصيل، كما يعبّرون عن آرائهم في مختلف المواضيع، ما يجعل المتصفّح قادراً على معرفة كل ما يتعلق بحياتهم، وإن كانت الصورة حقيقية بجزء بسيط فقط،  فتداول  الصور الشخصية، والأحوال اليومية يوحي أنها لم تعد وسائل للتواصل، بقدر ما هي وسائل للتنافس في الأكثر إرسالاً وإبرازا للأفضل، وبدت وكأنها مذكرات يومية تُرسل صورة وكتابة للدلالة على أحداث أصحابها الحياتية وأحوالهم المزاجية والأسرية بشكل يومي، فتجدهم يبالغون في التعبير عن فرحتهم  وأحزانهم وهمومهم  مع العالم أجمع.  فتلك تنشر صورا لهديّة فاخرة من زوجها، وهذه تنقل فيديو تصوّر فيه أطفالها وأجواء الاحتفال في بيتهم، وهذا يتحدّث عن مشكلة دقيقة بينه وبين زوجته التي ستصير طليقته ويُسفر في التجريح فيها وذمّها، وذاك يصور مائدة طعامه العامرة ليشكر زوجته أمام الملأ على تعبها، و أخرى تشكو من زوجها  وغيرها الكثير الكثير من تفاصيل حياة النّاس،  والأهمّ من ذلك ومن دون ادراك  يساهمون في كسر خواطر المحتاجين وزرع الحسرة والأسى في قلوبهم التّي تتوق لمظاهر الترف التّي يرونها، مما يجعلها بطريقة أو بأخرى سببا في توسيع الفجوة بينهم  وبين من هم أسوء حالا منهم .

في هذا السياق، يرى خبراء ومختصون في الشأن الاجتماعي أن الناس يسعون إلى إظهار الصورة الأفضل والأجمل في حياتهم، لكن ما خفي أعظم، فربّما ما يعيشه الشخص اليوم مختلف تماماً عما يظهره على مواقع التواصل الاجتماعي، وما هي  إلا وسيلة أساسية للحصول على الاهتمام لا أكثر ، كما وتحاول العديد من الدراسات التحذير من نشر المعطيات الشخصية لما لها من أثار نفسية  لكن لا مجال لذلك فسياسة التقليد الأعمى تكون  طاغية مع العامة من الناس ، والذي يفضّل فيه البعض العيش من دون وضع أية حدود بينهم وبين الآخرين تحت مسمى التحضر والتطور  .

وبين كل هذه التجاذبات يمكن القول أن الوسائط الاجتماعية أداة أشد ضراوة في الفضح والازدراء، الكل يسعى ليؤكد انتصاره على الطرف الآخر وحصوله على أكبر قدر من الإعجاب، في حين باتت جدران بيوت أغلب المواطنين مكشوفة أمام حقيقة هذه المواقع، فضلا عن المشاهدة المجانية لكل تفصيل.

زينب.ب

اقرأ أيضاً

آخر الاخبار

الأكثر قراءة

نختار لك

2215 إصابة جديدة بفيروس كورونا

سجلت 2215 إصابة جديدة بفيروس كورونا (كوفيد-19) و 13 وفاة خلال الـ 24 ساعة...

رئيس الجمهورية يحل بمصر في زيارة عمل و اخوة

حل رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بعد ظهر يوم الاثنين بجمهورية مصر العربية...

“جفت” الزيتون، اقتصاد دائري وتجارة مربحة للعملة الصعبة يعزز فرص الاستثمار …”جيجل”ستكون أنموذجا لذلك

ولاية "جيجل" تمتلك (22)،ألف هكتار من مساحات أشجار الزيتون،و تحفيز  الشباب حاملي المشاريع المقاولاتية ...

“ظاهرة اختطاف الأطفال مرتبطة بانحراف المجتمع، وعلاجها يكمن في جودة التربية و التعليم”

ما زلنا  مطالبين بالعمل أكثر لتمكين كل أطفال جزائر من حقوقهممشكل تعلق الأطفال بالعالم...
%d مدونون معجبون بهذه: