24 يناير 2022 م

العنوسة والعزوبية …ظاهرة تهدد كيان الأسرة وتنخر نسيج المجتمع “الجيجلي”

الرئيسيةالعنوسة والعزوبية ...ظاهرة تهدد كيان الأسرة وتنخر نسيج المجتمع "الجيجلي"

شارك

  • أزمة البطالة والسكن من أكبر العوامل التي صرفت الشباب عن الزواج
  • تحرير المرأة من قيود المجتمع الذكوري وبحثها عن الحرية  
  • تفضيل العلاقات الغير الرسمية والخارجة عن إطار الزواج

يضطر الكثير من شباب جيجل إلى تأجيل زواجهم لسنوات عديدة بهدف توفير ما يجب من أموال لإقامة حفل زفاف نموذجي راجت معالمه في مجتمعنا في السنوات الأخيرة، وهو ما دفع بشريحة أخرى إلى تأجيل مشروع الزواج إلى أجل غير مسمى أو التخلي عنه نهائيا بالنظر إلى التكاليف الباهظة التي باتت تثقل كاهل شباب اليوم بالنظر إلى المتغيرات ومتطلبات العصر الحالية. 

وهو ما أدى إلى انتشار ظاهرة العزوبة وتأخر سن الزواج والتي بدورها لم تكن موجودة في أيام السلف بل كان الزواج المبكر سِمة منتشرة، إلا أن الكثير من العادات والتقاليد قد تغيرت عما كانت عليه، فبعد أن كان الزواج أمراً ميسّراً بلا تعقيدات، بات في زماننا أمرا عسيرا ومطالبه تثقل كاهل أغلب شباب اليوم، فبعد أن كانت الفتاة ما إن تبلغ السن المناسب للزواج يسارع الخطّاب إلى طلبها ويعتبرون هذا الأمر طبيعيا كما اعتادوه.

أما اليوم فقد اختلفت النظرة الى قضية الزواج وبناء الأسرة نتيجة اختلاف المعايير والمفاهيم والنظرة الى المؤسسة الزوجية واختلاف نمطية التفكير والقِيَم والعادات في مجتمعاتنا، بالإضافة إلى أن هناك تغييرات اقتصادية فقد أصبح تأمين السكن وتكاليف الزواج أمراً صعباً في ظل البطالة والفقر وندرة فرص العمل والأزمة الاقتصادية، ومن ناحية أُخرى فقد تغيّرت أيضاً تربية الآباء والأمّهات للأولاد فترعرعوا وهم فاقدو القدرة على تحمل المسؤولية ونشأوا دون توعية مناسبة وتفهُّم لمعاني الزواج وتحضيرهم منذ الصِغر للقيام بدورهم في المستقبل.

وفي استطلاع للرأي العام قامت به “جيجل الجديدة” تقول السيدة (م.ز) بخصوص أسباب انتشار ظاهرة العزوبة وعدم الزواج لارتباطها بالشروط التعجيزية التي يطلبها أهل العروس، كغلاء المهر وراتب مثالي، إضافة إلى السكن المستقل، وهذه كلها تتجاوز حدود إمكاناته بل إمكانات شخص يعمل منذ سنوات طويلة وليس شابا حديث التخرج والعمل، بالإضافة إلى اشتراط الفتاة مواصلة دراستها والعمل بعد التخرج والراتب لها ولا يأخذ منه شيئاً. وكذلك اختلاف العادات والتقاليد يلعب دوره في الشروط التي تؤدي إلى عزوف الشباب عن الزواج، فالبعض يشترط الذهب والصوف ومصاريف فستان الزفاف وتسريحة شعر العروس وغيرها وإن كان لا بد من الزواج فالديون ستتراكم على هذا الشاب المقبل على حياة جديدة وسيبدأها مكبلا بسدادها.

ويروي في هذا السياق السيد (ش.م)، وهو موظف بمؤسسة عمومية يبلغ من العمر 34 عاما، كيف تم رفضه من طرف عائلة اتفق مع ابنتها على الزواج، والسبب عدم امتلاكه لسيارة وبيت مستقل عن العائلة، وأشياء أخرى فوق طاقته المادية.

أزمة البطالة والسكن من أكبر العوامل التي صرفت الشباب عن الزواج

هذا وكشفت دراسة سابقة أعلن عنها مركز إعلام وتوثيق حقوق الطفل والمرأة في إطار التحقيق الجزائري حول صحة الأسرة ، أن 50 بالمائة من الشباب الجزائري صرفوا تفكيرهم عن الزواج بسبب مشاكل اجتماعية واقتصادية تعرضوا لها حالت دون تمكينهم من تحقيق حلم بناء الأسرة وإنجاب الأطفال، منهم 55 بالمائة من الوسط الحضري و45 بالمائة من الريف.

وأكدت الدراسة أن 43 بالمائة من هؤلاء الشباب يفكرون جديا في الهجرة بشتى الطرق القانونية والسرية، 36 بالمائة منهم بسبب البحث عن عمل و42 بالمائة بهدف تحسين ظروف الحياة، بينما أكد 04 بالمائة أنهم لا يريدون الهجرة من أجل الزواج بأجنبية توفر لهم فرصة العيش الكريم، وأضافت الدراسة أن أزمة البطالة والسكن من أكبر العوامل التي جعلت الشباب لا يفكرون بالزواج.

تفضيل العلاقات الخارجة عن إطار الزواج

وهو ما جعل البعض منهم يفضلون العلاقات غير الرسمية، لتمضية الوقت فحسب إذ أن فكرة الزواج تكون مستبعدة وغير موجودة بسبب الالتزام الذي ينطوي عليها، ويرفضون فكرة أن الكثيرين يختارون العيش ضمن قالب نمطي وتقليدي مفاده عدم استطاعتهم العيش في سن الشيخوخة دون شريك حياة، ويرون أن الراحة التامة التي يُمكن الحصول عليها هي في العلاقات غير الرسمية فقط. 

لماذا لا يتزوج الجزائريون؟

 إن ظاهرة عزوف الشباب عن الزواج وارتفاع معدلات العنوسة، باتت تقلق المختصين بالتوازن الأسري والمجتمعي، وعند التعمق في فحوى هذه الأخيرة، تبـينَ أن التغيرات الديموغرافية والاجتماعية، كانت وراء أبرز أسباب عزوف الشباب عن الزواج، سيما ما تعلق بغلاء المهور، وارتفاع تكاليف الزواج، ما غدا شبحا يطارد أي شاب يرغب في الزواج.

ولمقاربة الموضوع بدقة، أجمع العديد من الأخصائيين في الشأن الاجتماعي والنفسي  لـ”جيجل الجديدة” أن أسباب العزوف وارتفاع ظاهرة العنوسة وإن صح القول في المجتمع “الجيجلي” عديدة ومتعددة غير أن العزوف واحد ومعظمها مرتبطة بالشق المادي،  فالحالة الاقتصادية تعد من أهم الأسباب التي تدفع الشباب للعزوف عن الزواج، وذلك بسبب ما يتطلبه الزواج من نفقات مرتفعة جداً، قد لا يستطيع الشاب توفيرها، ومن الأمثلة على هذه نفقات المهر، وتجهيز منزل الزوجية، وإقامة حفل الزفاف، بالإضافة إلى ذلك فإنّ معظم الشباب لا يستطيعون تحمّل تكاليف الحياة الزوجية، وتكوين أسرة، وإنجاب الأطفال، وذلك بسبب تدني مستوى الأجور والقدرة الشرائية، وغلاء المعيشة، وانتشار البطالة بشكلٍ كبير، لذا فإنهم يلجؤون في مثل هذه الحالات إلى تأخير الزواج لأجل غير محدود إلى أن تتحسن ظروفهم . 

أما فيما يخص الأسباب النفسية والتي قد تكون في مجملها نتيجةً لبعض التجارب السابقة المؤلمة، والتي تركت الأثر الكبير على الشخص، مما يجعله ينطوي وينغلق على نفسه، كنوعٍ من أنواع الدفاع الذاتي عن النفس، خوفاً من تكرار الألم الذي تعرض له في السابق مرةً أخرى، وغالباً ما يبدأ هذا الإحساس في مرحلة الطفولة و أبسط مثال على ذلك العنف الأسري، ومن ثم ينمو تدريجياً إلى أن يسيطر بشكلٍ كامل على الشخص، أو معايشة الطفل لتجربة طلاق والديه، هذه الأمور كلها ستجعل من الصعب على الشخص الدخول في علاقة جادة تنتهي بالزواج.

ومن المسببات أيضا، المبالغة في التوقعات فالشخص يرسم في خياله مواصفات معينة لشريك حياته، ويستمر في البحث عن الشريك الذي تتوفر فيه هذه التوقعات كلها، وفي كثيرٍ من الأحيان قد يرفض التنازل أو التساهل عن إحدى هذه الرغبات، وبالتالي يجد صعوبةً بالغة في إيجاد الشريك المطابق بشكلٍ كامل لما يريد، فيصطدم بالواقع، مما قد يجعله يرفض الزواج، ويختار الاستمرار في حياة العزوبية.

للفتيات أيضا نصيب من العزوف

قديماً كانت الفتيات يخفن كثيراً من فكرة العنوسة فتسرع بالزواج لتفادي القيل والقال من قبل المجتمع، ولكن اليوم أصبحت الفتيات يتفادين فكرة الزواج للتغيير والتطور الذي أصاب المجتمع في مختلف المجالات، ولم يعد الزواج الأمل الذي يبحثن عنه، ويوجد فئة تفكر فقط في الاستقلالية الذاتية وليس لديها رغبة حقيقية أو نفسية لفكرة الحياة الزوجية أو تحمل المسؤولية وتربية الأبناء.

وحسب ما صرحت به بعض الطالبات لـ “جيجل الجديدة” فإن عدم الرغبة بالزواج بالنسبة للفتيات متعلقة أساس بالحرية وبالشق المادي، فالفتاة المقبلة على الزواج في الغالب تحتاج إلى ميزانية ضخمة ومع الواقع المعاش والبطالة وتدني المستوى المعيشي فهذا الأمر حسبهم مستحيل لذلك تجد بعض الفتيات تطول فترة خطوبتهن للأسباب نفسها ما بين 03 سنوات إلى 05 سنوات، وهذا بغرض الدراسة، التخرج وإيجاد عمل مناسب فضلا عن توفير المال المناسب لاقتناء “الشورة” وما تعلق بـ “التصديرة” و غيرها من متطلبات العرس.

وهناك من يقر أن زواج الفتاة مرتبط بمواصفات الشريك المناسب والمعايير التي تضعها ولا تتنازل عنها وهو ما يؤدي في الغالب إلى عدم زواجها.

هذا وقد اعترفت إحدى الطالبات أن سبب تأخير زواجها أن أمها كانت تضع شروطاً كثيرة وهو ما أدى لعدم زواجها حتى الآن.

وتقول أخريات، أنه مع وجود وسائل التواصل الاجتماعي من السهل أن يصل إلى أسماعنا كثرة المشاكل الزوجية وكثرة حالات الطلاق فالبعض يبالغ في تضخيم مشاكله ولهذا تتأثر معظم الفتيات بهذه القصص خوفا من التجربة والفشل.

تحرير المرأة من قيود المجتمع الذكوري وبحثها عن الحرية

وبهذا الصدد يوضح الأخصائيون بخصوص هذا الموضوع، أن المرأة في العصر الحالي أضحت تتمتع بالعديد من الحقوق والميزات، فلم تعد تعتمد بشكلٍ كامل على الرجل في حياتها، مما ساهم في زيادة متوسط عمر الزواج لديها، ومن الأسباب التي ساهمت في عزوف الفتيات عن الزواج واختيار حياة العزوبية هو رغبة الفتاة في استكمال تعليمها، والحصول على الشهادات العليا، بالإضافة إلى التركيز على الأهداف الوظيفية، وانشغالها في تحقيق طموحاتها، كما أن معظم الفتيات يفضلن تأمين أنفسهن مالياً قبل الاستقرار والارتباط، إضافة إلى رغبة الفتاة في الحياة المستقلة، والتي من خلالها يمكن أن تحقق اهتماماتها الشخصية من سفر، وممارسة الهوايات، وقضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء، بعيداً عن التزامات وضغوطات الحياة الزوجية.

وحسب ذات المختصين فإن هذا الرفض ناتج عن أسباب كثيرة جداً منها أن بعض الأسر لا تهيئ الفتاة للحياة الزوجية وخاصة الأمهات، فالأم لها الدور الرئيسي في التوعية والتوضيح والنصح للفتاة حتى تستطيع تحمل المسؤولية ومعرفة أهمية الحياة الزوجية ومتطلباتها، أما نفسيا فيرتبط بخوف الفتاة بسبب أنها قد تكون نشأت ضمن أسرة مفككة.

وغالبا ما تنتج عن هذا العزوف مشكلات أخرى مثل العنوسة، وكلما زادت نسب العنوسة، زادت النظرة الخاطئة تجاه المرأة سيما الموظفة والتي تدفع ببعض الشباب الى عدم الزواج منها، وقد لا يتقدم رجل لطلب يد امرأة فاتت سن الثلاثين، وفي بعض الأسر تلعب الشروط والمطالب الكثيرة في عدم الزواج عند الولد أو البنت، وفي المقابل لا تريد البنت رجلاً قد تخطى الأربعين من عمره، ناهيك عن انتشار ظاهرة الطلاق وراء تخوف بعض الشباب من الإقدام على الزواج إذ يخاف الشباب أن هذا الزواج يؤدي إلى الطلاق والانفصال فلماذا يتزوج؟ سيما إذا فشل في اختيار الشريك المناسب.

أما عن كيفية حل هذه الأزمة، فيقترح بعض المختصين أن الأمر يقع على عاتق عائلة الشاب المتقدم للزواج وكيفية تقديم الدعم والمساعدة له في بداية حياته، سواء كان ذلك ماديا أو معنويا، عبر شراء بعض متطلبات الزواج وغيرها، والشق الثاني يقع على عاتق أهالي الفتيات من خلال تقليل المهور مقتدين بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم “خير الصداق أيسره”، وعدم تحميل الشباب فوق طاقتهم ونبذ المظاهر الدخيلة على مجتمعنا مثل البذخ والمبالغة في طلبات الزواج التي أصبح بعض الأهالي يتباهون بها، والتماشي مع ما يفرضه الواقع المعاش.

و أفضل مثال على ذلك الوضع الوبائي الذي غير بدوره العديد من العادات في بعض البيئات وهذا بفضل الحجر الجزئي المرافق لجائحة “كورونا”، ما أدّى إلى الاستفاقة بعد غيبوبة دامت سنين طويلة، في معاناة غلاء المهور، وارتفاع تكاليف حفل الزفاف، ولقد شجع حجر الاحتفالات في القاعات العامة، عدداً كبيراً من الشباب أنْ يُقدِموا على الزواج بحفل زفاف يسير التكلفة، مقتصر على أفراد العائلة، ليتمكن هذا الأخير من النجاة من القروض، وتغدو الحياة الأسرية سعيدة، تملؤها البركة، بعيدا عن مظاهر التفاخر التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

زينب.ب

اقرأ أيضاً

آخر الاخبار

الأكثر قراءة

نختار لك

2215 إصابة جديدة بفيروس كورونا

سجلت 2215 إصابة جديدة بفيروس كورونا (كوفيد-19) و 13 وفاة خلال الـ 24 ساعة...

رئيس الجمهورية يحل بمصر في زيارة عمل و اخوة

حل رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بعد ظهر يوم الاثنين بجمهورية مصر العربية...

“جفت” الزيتون، اقتصاد دائري وتجارة مربحة للعملة الصعبة يعزز فرص الاستثمار …”جيجل”ستكون أنموذجا لذلك

ولاية "جيجل" تمتلك (22)،ألف هكتار من مساحات أشجار الزيتون،و تحفيز  الشباب حاملي المشاريع المقاولاتية ...

“ظاهرة اختطاف الأطفال مرتبطة بانحراف المجتمع، وعلاجها يكمن في جودة التربية و التعليم”

ما زلنا  مطالبين بالعمل أكثر لتمكين كل أطفال جزائر من حقوقهممشكل تعلق الأطفال بالعالم...
%d مدونون معجبون بهذه: